عن دور الأب ومثلية الإبنعن دور الأب ومثلية الإبن

تشهد أيامنا إنحساراً لدور الآباء في حياة أبنائهم، لذا كان من المهم في هذا التحقيق أن ندفع الآباء والأمهات إلى إدراك الدور الحيوي غير القابل للإستبدال الذي يؤدونه تجاه أطفالهم، الذكور منهم خصوصاً.

للعلاقات الزوجيّة التي تربط الوالدين (الأم وزوجها) ببعضهما البعض، دور أساسي. جلّ ما يطلبه الطفل الذكر من والده هو علاقة عاطفيّة تمر أولاً عبر قلب الأم، لأن الطفل أقرب إلى الأم منه إلى الأب، مما يعني أنه سيتعرف الى والده عبر قلب والدته. من هنا، لن يكتشف الولد حضور شخص والده في قلب والدته إلاّ إذا وُجدت علاقة حب صادقة بين الزوجين. وكلما حصل هذا الأمر في مرحلة مبكرة، كلما تمكن الولد من التخلّص والإبتعاد من علاقة إنصهاريّة أو إندماجيّة مع والدته. ولعل الإجابة عن التساؤل حول ما الذي يمكنكم القيام به من أجل طفلكم، تبدأ بالتفكير في ما يمكن لكم القيام به داخل الثنائي الذي تشكلون. وفي الواقع، من هنا تنطلق الشرارة الأولى لمعاناة (لألم) الطفل.


صورة الزوج

إذن، يدور الأمر حول قلب الأم وعلاقتها مع زوجها. فإذا حطمت صورة زوجها عند إبنها فيعود ذلك إلى أنها قد حطمتها فعلاً لديها كزوجة، فتقوم بهذه الطريقة بتشويه صورة الأب لدى إبنها وتتسبّب في إعاقته وعرقلة حياته العاطفية. أما الحالة الأخطر فتكون عندما لا تٌكّن الأم إحتراماً لزوجها ولا تثق به، وقد يُردّ أو يعود ذلك أحياناً إلى أنه لا يستحقها (أشير هنا إلى أننا لسنا في معرض توجيه إتهامات الى أي كان). تؤدي الأم دور الوسيط بين زوجها وإبنها، إذ يمكنها أن تمرر أو تحطم صورة الأب لدى إبنه. وقد يتطلّب عدم القيام بذلك جهداً جبّاراً من بعض النساء، إلاّ أنهن إذا لم يقمن بذلك فسيفتقد الإبن الى أبيه، وسيصبح طفلاً يسعى دائماً بشكل أو بآخر وراء والده عبر الإنجذاب العاطفي إلى رجال آخرين. وأظن أن جميعنا يعرف عمق الهوّة التي يمكن أن يصل إليها.

ودور الأب؟

لا ينبغي علينا أن نتغاضى عما يجب على الأب أن يقدمه لطفله. يعجز الأب البعيد في حال الغياب جسدياً أو النقص عاطفياً عن منح إبنه القدوة الجيدة ولن يكون له مثلاً أعلى يمكنه من التماهي والإمتثال به، مما لا يجعل الإندماج الجيد ممكناً والتفرّد عن الأم طبيعياً. لا يتمكن الطفل من عبور تلك المراحل إلاّ في إطار علاقة محبة وحضور قوي، حيث تأتي لحظة المواجهة بعد الأزمة الأوديبية، الغنية عن التعريف. ما لم يحصل الطفل من قبل على هذا الحب من أبيه، فسيواصل سعيه وراء هذا التماثل من خلال حوافزه الجنسيّة أي الدافع المثلي، كما لو كنا نتوجه نحو أفق يبتعد عنا كلما اقتربنا منه. يتسبّب فشل هذه العلاقة بين الأب وإبنه في نقص عاطفي كبير وجرح عميق للغاية، سواء أكان ذلك مدركاً أم لا.
يتطلّب التطرق إلى هذا الموضوع الحساس لدى الآخر، الكثير من الإحترام للشخص الذي يعاني هذا الشرخ النفسي.

لا حاضناً ولا غائباً

على الوالد أن يبقى أباً وألا يصبح الصديق أو الشريك. عليه أن يُربي ويُوجه إبنه بخصوص جسده كرجل، ولهذا ينبغي أن يُبقي على الإتصال العاطفي معه. وفي الوقت عينه، يجب ألا تكون أبوية الوالد منفصلة عن الأمومة التي تغدق بها زوجته. فالأب الذي نراه غالباً في يومنا هذا، هو الأب الحاضن الذي يقوم بجميع ما تقوم به الأم، والذي لا يُميّز نفسه عنها بما فيه الكفاية بالنسبة إلى الولد. لذلك يجب ألاّ يكون أباً حاضناً ولا أباً غائباً. تماماً كما لا ينبغي له أن يشغل منصب الولد الكبير. فالآباء الذين غالباً ما ينادون زوجاتهم بـ"ماما" يرسلون إشارات تقتضي الحذر. قد يبدو هذا غير خطير ولكنه يعتبر مؤشراً على وجود مشكلة ما بين الثنائي، أي الوالدين.

الطفل الكبير

لدى الرجل دائماً هذه الرغبة في إنشاء رابط عميق مع والدته، حتى أنه قد يعرض نفسه لخطر البحث عنه في اللاوعي عند زوجته. يمكن الأب حينها أن يضع نفسه موضع الطفل الكبير أو الولد الأكبر، لدرجة يجد فيها نفسه في منافسة مع أطفاله، وقد تشوبه بعض الغيرة منهم. إنها حالات شائعة أكثر مما يحلو لنا أن نعتقد، وهي لا تمر من دون مضاعفات أو مترتبات. في المقابل، على الأب أن لا يكون بعيداً، ليس لأنه غائب بالكامل دائماً أو غالبا،ً ولا بسبب نقص في التواصل مع أطفاله ناتج من فرط في الرصانة أو العفة أو الرزانة، وبالتأكيد ليس لأنه غير مهتم بالمطلق أو حتى عدائي يقوم بتجاهلهم أو حتى نبذهم، وهو ما يحصل غالباً، للأسف.
من هنا، فإن الحاجة إلى الميل إلى الجنس نفسه هي عاطفيّة أساساً. وهي، إضافة إلى ذلك، عاطفة مماثلة لتلك التي نشعر بها في المرحلة التي تسبق المراهقة. أي بتعبير آخر، هي عاطفة طفل صغير. وفي الواقع، يختبىء في أي شخص يعيش إرتباطاً أو ميلاً أو إنجذاباً أو تعلّقاً عاطفياً تجاه الجنس نفسه، طفل يبحث عن والده أو يتوق إليه، أو طفلة تبحث عن والدتها أو تتوق إليها، وفق الحالة.


الإختلاف والألم

ربما تكمن الصعوبة الحقيقية التي يواجهها المثليون في الإختلاف الإجتماعي. إذ أن الإختلاف هو الذي يسبّب الألم، وهو الذي يدفعنا إلى التساؤل. عندما نشبه باقي أفراد المجتمع يكون هذا الأمر باعثاً على الإطمئنان والإحساس بالأمان والحماية، كما أنه يتسبّب لنا بقدر أقل من المشكلات. من هنا، يتوجب على الشخص المثلي أن يتكيف قبل كل شيء مع إختلافه، والأهم تقبّله، أو محاولة القيام بذلك حداً أدنى. وستؤدي هذه الصعوبة في تقبل الإختلاف على الصعيد النفسي إلى تقرّب مجموعة المثليين من بعضهم البعض، وتشكيل مجتمعهم الخاص الذي سيحدد فيه هذا الإختلاف هويتهم الجنسيّة. ولن يتم تعييرهم بذلك، بل على العكس سيسعون إلى المطالبة بالإعتراف بها.

المتعارف عليه

يتعلّق كوننا مثليين أو غير مثليين في يومنا هذا، بمفهوم الطبيعية أو الوضع الطبيعي في المجتمع الحاضن. ونتساءل هنا، ماذا يعني أن نكون طبيعيين (سويين)؟ إتباع الأصول المتعارف عليها أو المتبعة من الغالبية في التصرّف والحب والتفكير أو الصدق مع النفس ومع الهوية والجنسيّة والنفسيّة وعدم خيانة رغباتنا وتطلعاتنا وعدم الغش والمواربة. وإن سمحتم لي بمفارقة مضحكة ومبكية في الوقت الذي يعمل في معظم البلاد المتحضرة إلى شرعنة الزواج المثلي، تبقى المثلية في بلادنا تحاكم بالسجن...
يتمحور خيار تقبل المثليّة الجنسيّة قبل كل شي بذاتنا وحول ذاتنا. قد يساعدنا أن نلجأ إلى إستشارة اختصاصي في هذا المجال. إذ أن الهدف من أي علاج نفسي لا يكمن في التأكد من التوجه الجنسي، سواء أكانت المثلية أو التمسك بالثنائية الجنسية، وإنما المصالحة مع الذات وتقبّل ما نحن عليه في واقع الأمر.

Dr. Pierrot Karam

Sexologist, Psychotherapist and Hypnotherapist

 

Lebanon

Videos

Articles

Alpha Phi Delta crest EFS logo logo SFSCWAS LOGO1 world council for psychotherapyIACTmembersmISH international society of hypnosis Logo dz